عبد الملك الجويني

17

نهاية المطلب في دراية المذهب

باب الجزية على أهل الكتاب 11443 - الأصل في الباب قوله تعالى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [ التوبة : 29 ] . والمراد بالإعطاء الالتزام لا صورةُ البذل يقال لمن أذعن لقبول الجزية : قد أعطى الجزية ، أي استسلم لها . واختلف العلماء في قوله تعالى : { وَهُمْ صَاغِرُونَ } : قال الشافعي : الصغار جريان أحكام الإسلام عليهم على خلاف عقيدتهم . وقيل : المراد بالصغار الأخذ باللحى والضرب في اللهازم ، فيكلف الذمي أن يوفي الجزية بنفسه ، ويطأطىء رأسه ، ويصب ما معه في الكِفة ، ويأخذ المستوفي بلحيته ، ويضرب في لهزمته . واختلف أصحابنا في أنه هل يجوز للمسلم بأن يوكَّل عن الذمي في إيفاء الجزية ، فمنهم من لم يجوّز ذلك وسببه أن إجراء الصغار عليه في وقت تأدية الجزية من المقاصد ، وكيف لا ونص الشافعي دالٌّ عليه ، وهو قوله تعالى : { وَهُمْ صَاغِرُونَ } ولو جوزنا استنابة المسلم ، فيكون المسلم في صورة المستخدَم ، والكافر يتودَّع في رحله ، وهذا نقيض ما أمر الله تعالى ، ومن أجاز التوكُّل ، نظر نظراً كلياً في استيفاء الحقوق وإيفائها ، وينشأ من هذا التردّد الإحاطة بأن إجراء الصغار على الذمي حالة التأدية حتم أم لا ؟ فإن منعنا توكل المسلم ، فهو قضاء منا بإيجاب إقامةِ الصغار . وذكر الأئمة تردّداً في أن المسلم لو ضمن الجزية ، فهل يصح ذلك ؟ فإن أوجبنا الصغار ، لم يصح الضمان ، وإن لم نوجبه ، صححناه . والأوضح عندي تصحيح الضمان ؛ فان ذلك لا يقطع إمكان توجيه الطلب على المضمون عنه ، ونفي الضمان حتى لا يقال : إنه يُلزم الضامن شيئاً بعيدٌ . ولو وكل ذمي ذمياً ، فيتجه عندنا إجراء الخلاف ؛ فإن كلَّ ملتزم بالذّمة معنيٌ بالصغار في نفسه .